ابن عساكر

353

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

فكيف لا تقدر أنت في مثل خطرك وعظم ما أوتيت من الملك على أن تتخذ إلها ، فيخبرك بحاجتك ويكفيك ما أهمّك ، وتستغني به عن الناس ، ونحن لك على ذلك مؤازرون ؟ قال بخت‌نصّر : فأنتم وذاك . قالوا : فأعطنا الطاعة والسلطان حتى نفرغ مما تريد ، ففعل بهم ذلك ، فعلموا صنما طوله في السماء سبعون ذرعا وعرضه عشرون ذراعا من الألواح ثم دسروه « 1 » بالحديد والمسامير ، وألبسوه الذهب ، وكلّلوه بالياقوت وألوان الجوهر ، ثم صنعوا له عيدا عظيما ، وذبحوا له الذبائح ، وواعدوا الناس لذلك اليوم يجتمعون فيه ، فيعبدون ذلك الصنم ويسجدون له ، واتخذوا أخدودا في الأرض ، فأوقدوا فيها نارا عظيمة ، وهم أصحاب الأخدود ، وكانت الأخدود باليمن وببابل ، فأما الذي كان باليمن فاتخذه يوسف ذو نواس الحميري « 2 » ، وهو الذي ملك حمير ، وكان صاحب عنفصير « 3 » ، وهو الذي قتل الناس وأحرقهم بالنار ليدعوا الإسلام « 4 » . وكانت الأخدود الأخرى ببابل اتخذها بخت‌نصر ، فلما اجتمع الناس يوم عيدهم ، أمروهم بالسجود لذلك الصنم فسجدوا ، فمن أبي حرّقوه في تلك الأخدود ، وكان بخت‌نصّر سبى من إيلياء سبعين ألف غلام ، فقسمهم في ملوك بابل ، ما خلا دانيال وميشائيل وميخائيل وعيصو ومرنيوس « 5 » فأقاموا بذلك زمانا يستخدمونهم حتى أدرك الوصفاء ، فأنكر أهل بابل شأنهم ، فقالوا لبخت‌نصّر : إنا أنكرنا شأننا منذ أدرك عبيدنا ، فإنا نحب أن تنفيهم منا فتخرجهم عنا ، أو تأذن لنا فنقتلهم . فقال لهم : أنتم وذاك . قال : فقتلوهم جميعا ، وبقي هؤلاء العدّة التي في يدي الملك « 6 » ، فكانوا يدعون اللّه ويقولون : يا رب قد عذبت آباءنا

--> ( 1 ) دسر : يقال دسرت المسمار أدسره دسرا ، وكل ما سمّر فقد دسر ، والدسر إصلاح السفينة بالدسار ، اسم للمسمار ( تاج العروس : دسر ) . ( 2 ) ذو نواس الحميري كان يهوديا ، وقد ملك اليمن ، وكان أهل نجران على دين عبد اللّه بن التامر ، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه ، وقد سار إليهم ذو نواس بجنده فدعاهم وجمعهم ودعاهم إلى اليهودية فخيّرهم بين القتل أو الدخول فيها ، فاختاروا القتل ، فخدّ لهم الأخدود ، فحرّق بالنار وقتل بالسيف ، ومثل بهم كل مثلة ، حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا . راجع أخباره في تاريخ الطبري 1 / 435 - 436 . ( 3 ) كذا في مختصر ابن منظور ، ولم أحله . ( 4 ) كذا . ( 5 ) كذا ورد هنا في مختصر ابن منظور ، وتقدم قريبا : « حرسوس » وكلاهما لم نقف عليه . ( 6 ) سماهم الطبري في تاريخه 1 / 324 دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائل .